• PDF

عينطورا

 

تاريخ عينطورا  ينقسم الى قسمين، عينطورا  ما قبل السبعينات وعينطورا  ما بعدها. ففي المرحلة الاولى كانت عينطورا  تعد الفين، بيوتها ثلاثماية، يحدها نهر الجعماني من الجنوب فتبدو معلقة على منفسح من ذلك الوادي الرهيب. ترتفع عنه مئات الامتار، وعن سطح البحر 1250 مترا، وتتناثر في أعلاها بعض البيوت حتى تبلغ 1400 متر حيث يحدها مجدل ترشيش من جهة الشرق حتى تخوم المتين، وتكمل تخوم المتين الطويلة العريضة لتلف حدود عينطورا  من الغرب والشمال.

 

قرية نامية، تبعد عن بيروت نحو 38كلم، وتبعد عنها زحلة 24. تخومها ممتدة في الجرود حتى ارتفاع 1800 متر عن سطح البحر. كثيرة الينابيع والعيون. تتناثر حولها أشجار برية وباقات صنوبر، وتنتصب صخور عظيمة وكأنها تماثيل العمالقة. تكتنف في وعورة طبيعتها بقايا عصور قديمة من آثار بشر، تعود بك قرونا لتتمثل في ذهنك حالات صعبة المراث عاشها أجدادنا قبل أن عادوا الى التراب، بل تراب.

 

عينطورا ، اسم وتاريخ

   عين الجبل. هكذا اسماها المردة القادمون الى هذه الديار منذ حوالي أثني عشر جيل. سموها عينطورا  بلغتهم السريانية نسبة الى عين ما زالت تصب الماء مذ كانت، وما زالت تحيط بها حجارة بيوت اولائك الاقدمين، وتحت انقاض بيوتهم التي ربما مرت على عددها أجيال، ما زلت تجد صلبانا ومباخر وكؤوسا وأجرانا.

  عينطورا ، أي عبن الجبل، كانت أصلا عند تلك البقعة المحيطة بالعين، وتدل الآثار الحالية على أن هذه البيوت قد هجرت يوم فر من تبقى من الكسروانيين والجرديين الى الشمال هربا من ظلم المماليك، كانت هذه الهجرة حوالي 1307. ومن آثار المردة الذين عاشوا في عينطورا  في هذه الحقبة وما قبلها، بعض المدافن والخوابي بالاضافة الى آثار كنيسة مازالت المنطقة تنسب اليها اذ تعرف بمنطقة كنيسة ضهر المغارة.

   أما المغارة، فقد اصبحت ولوقت ليس ببعيد مراح للماعز، ولم تجر فيها التنقيبات على ما يبدو.

 

عودة النشاط السكني

   مع اطلالة القرن الخامس عشر، كانت عودة الدروز من الكسروانيين الى هذه المنطقة، وكان اول القادمين أسر المقدمين ابي اللمع ومزهر. فتملك هؤلاء المنطقة اقطاعاً لهم.

   في أوائل القرن السابع عشر، أخذت شعوب الموارنة، أحفاد المردة، تتوافد الى هذه البقاع، وكان الدروز يستقبلونهم بالترحاب، ويفردون لهم الارضي ليستثمرونها على أساس الشراكة.

كان أول القادمين الى عينطورا  في هذه الحقبة عائلتي بعقليني والشنتيري. فمن الأسر المارونية القديمة التي كانت تقيم في هذه المنطقة قبل خرابها وقدر لها ان ينجو أحد أفرادها من الموت لتسلم من الانقراض، أسرة حبوق التي كانت تقيم في بكفيا قبل سنة 1305، وعادة اليها في سنة 1450 بعد أن التجأت قرناً ونيفاً  الى بشعلة في شمالي لبنان. ومن فروع هذه الأسرة آل نوح الذين نزحوا الى مصر، وسقسوق وبيطار وعيد والشنتيري والعاصي. يبدو أن شعبة من اسرة الشنتيري قد تفرعت الى الشوير، وقدم منها فرد أو جماعة الى عينطورا  في أوائل القرن السابع عشر(نحو 1600) وهم يعرفون اليوم في هذه القرية بآل مجاعص.

ومن الشوير وبزبدين قدم آل البعقليني الى عينطورا . وقد قدمت فيما بعد أسر عازار والحاج موسى، واسمر، وأبي عطالله. فلما ضرب المتاولة قرية حدثون (حتون) في أوائل القرن السابع عشر، هرب اهلوها وتفرقوا في انحاء لبنان. ومنهم بنوآل ناكوزي في صليما والمتين ومنهم بنو عازار في عينطورا . وقيل ان آل ناكوزي من موارنة قبرص من مدينة (نيكوزي او نيقوسيا) وقد نزحوا عنها بعد الفتح الاسلامي وعرفوا باسم موطنهم الأم. اما آل اسمر فقد قدموا الى عينطورا  من الكنيسة، وآل عطالله من قرنة شهوان، وأصل هذه العائلة من أسرة زعرور.

 

نمو القرية ونشاطها في تاريخها

 في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذت أملاك الأمراء تنتقل الى الشركاء. ولم تمر حقبة الا وكانت القرية قد اصبحت ملكاً لأهاليها.

 عندما اصبح العناطرة يملكون قريتهم، نشطوا في تنمية مواردها وفي ترقية مجتمعهم. ففي سنة 1836، بنو لهم كنيسة مار نوهرا وفي تلك الحقبة، نشطوا في استثماراتهم الزراعية، وكان أهمها التوت. وكان عدد منازل قريتهم يتزايد مع عددهم ونموهم. غير أن حركة 1860 قد أثرت في تقدم البلدة تأثيراً مباشراً، شأنها في ذلك شأن غالبية قرى لبنان. فيبدو انها أحرقت في تلك الحركة، حتى ان آثار الحرائق قد دامت حتى ما بعد الحرب الكونية الاولى.

عندما كان ابناء عينطورا  في سنة 1914 يقومون ببناء كنيسة ثانية في قريتهم، كان في 22 تشرين الثاني من ذلك العام، فوج من الجيش العثماني يدخل لبنان عن طريق زحلة مرورا بعينطورا  ليحل أخيرا في ضهور الشوير، وليتفرق في الدساكر فيما بعد.

كان لدخول هذه الفرقة وقع رسول منذر بالويل.

حتى ذلك التاريخ كان أكثر من نصف القريةقد أصبح في المهجر مشتتاً بين الارجنتين ونيويورك.

 

فترة ما بعد الحرب

 عندما انتهت الحرب العالمية الاولى بأنتصار الحلفاء، كان أهالي عينطورا  يعودون لاستئناف أعمالهم في بناء كنيسة السيدة الزاهية اليوم في القرية، ولاستئناف نشاطهم في أعمالهم الحياتية.

واذ كانت البضائع الاجنبية تغرق حريرنا بالمضاربات، توقفت زراعة التوت مع توقف دواليب مصانع الحرير اللبنانية. فأخذ السكان الذين لا حيلة لهم الاّ بالزراعة، يبحثون عن غرسة يمكنها أن تسد الفراغ. وقد وجدت عينطورا  ضالتها في زراعة البطاطا، التي اصبحت فيما بعد أشهر من نار على علم.

وفي حوالي 1945، كانت مدرسة محلية تفتح ابوابها لتدخل في نفوس الابناء عنصر الثقافة.

وفي العام 1949، كانت طريق المروج زحلة في طور التوسيع والتعبيد الأمر الذي أحل بعينطورا  ركاب نمو حصدت ثماره البلدة في السنين التالية.

وفي العام 1952، كانت أموال المغتربين التي ساهم بتأمينها وجمعها المغترب نعمان قسطنطين عازار تؤمن انارة القرية بالكهرباء.

وفي العام 1953، تبرع نعمان المذكور بالاشتراك مع بعض المغتربين، ببناء دير لراهبات العائلة المقدسة أصبح اليوم يضم حوالي 250 طالبا وطالبة من البلدة وجوارها. وقد بلغت كلفة هذا المشروع انذاك نحو 50 ألف دولار. ومن ثم تدفقت مياه نبع المنبوخ في القرية، فوفرت الدولة على ابنائها اموالا كان قد جمعها المغتربون من أجل تحقيق هذا المشروع. فتحول المال الى مساعدة عيالها المستورة.

وفي العام 1962، كان تأسيس مجلس بلدي من شأنه أن يرعى أمور هذه البلدة ويهتم بشؤونها عن كثب.

أما التفاح، فرغم أنه قد نجح في عينطورا  نجاحاً منقطع النظير، فهو لم يعط النتائج المرجوة نسبة لعدم تصريف الانتاج ولهبوط الأسعار وارتفاع تكاليف الصيانة والمعاملة.

 

الاصطياف وحركة النمو

بعد هذه المعطيات، رأت عينطورا  نفسها مؤهلة لأن تكون مركز اصطياف، وبالفعل، فقد نمت فيها في المدة الاخيرة عشرات المنازل الفخمة، وهي اليوم اشبه بورشة بناء، ترى فيها العمران في حركة سريعة ومتواصلة.

عينطورا  اليوم تتأهب لأن تكون مركز اصطياف هام. وقد يساعدها على ذلك ثروات طبيعية تتمتع بها، منها: جودة مناخها الصخري المنطبع على وجنات ابنائها الحمراء. كثرة ينابيعها، وجمال موقعها الطبيعي، وجودة منتوجاتها الزراعية والحيوانية.     

  اما في المرحلة الثانية فقد تعرضت عينطورا  كغيرها من القرى اللبنانية لأبشع انواع التهجير والخراب والدمار وقد دفعت ثمناً باهظاً جراء ذلك من خيرة ابنائها، جرح بليغ اصابها في الصميم يعمل كل الخيرين والذين يهمهم مصلحة عينطورا  على محاولة دمله.

المرجع: موسوعة القرى والمدن اللبنانية لطوني مفرج

انشطة

No events
You are here: عينطورا المتن لمحة تاريخية